عين راصدة سقوط مقلي وظلال الغد الشاحبة

فتحي عثمان

1 يوليو 2021

كالعادة تثير الأحداث الكبرى في الحروب زوابعا من التحليلات تهدف إلى الكشف ولكنها تتجه وللأسف نحو مزيد من الغموض؛ لأن مفاصل الأحداث لم تسفر عن نفسها بعد، وكأن المرء في هذه الحالة يكتب تاريخا للحاضر.

استيلاء مقاتلي الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على عاصمة اقليمهم مقلي واحد من مثل هذه الأحداث.

نحاول تتبع ما قد تكشفه مقبل الأيام بناء على ما تم ارساءه أمس من قبل الأطراف في الصراع.

الحكومة المركزية الاثيوبية وجيشها الفيدرالي دخلت المعركة كاستجابة ردع بعد هجوم قوات الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي على الحامية الشمالية. قبل ذلك الهجوم، الحرب كانت مستمرة سياسا وقانونيا ولكن كانت تحتاج إلى الشرارة وكان الهجوم على قاعدة الجيش الفيدرالي هو الذي أشعل الصراع في مطلع نوفمبر العام الماضي.

الهدف المعلن للحرب كان هو “انفاذ القانون” كما أخذت العملية العسكرية للجيش الحكومي اسمها منه. وهي عملية تعتمد على السيطرة الكاملة على الاقليم وفرض القانون وهيبة الدولة وإدماج الاقليم في الدولة الاثيوبية مجددا. وأخيرا تقديم قادة الوياني للعدالة. لم يتحقق شرط السيطرة الكاملة بسبب تحول الحرب إلى حرب عصابات شارك فيها الشعب؛ وبحسب تصريح ابي احمد فإن القساوسة في تيغراي كانوا يحاربون ويحثون الشباب على الحرب ويدفنون السلاح في المقابر التي هي في العادة ما تكون تابعة لأراضي الكنيسة. لم يتم كذلك القبض على المطلوبين من قادة الوياني وتقديمهم للعدالة رغم قتل رموز بارزة والقبض على آخرين واستسلام البعض الآخر. أخيرا لم يتم فرض هيبة القانون لأن الإدارات الموكل بها فرض القانون لم تستطع السيطرة على الاقليم وأخيرا فرت الى العاصمة اديس ابابا تاركة العاصمة لمقاتلي الوياني. إما حلم ادماج الاقليم في الدولة الاثيوبية فلقد تبدد، وربما للأبد.

الجانب الآخر في الصراع وهو الوياني كان يخوض حربا معلنة ضد الحكومة المركزية منذ تولي آبي احمد للسلطة وأخذت هذه الحرب عدة اشكال منها الحرب القانونية حول الشرعية واجراء انتخابات منفصلة والخروج على المركز واخيرا مهاجمة قواعده في الاقليم. وكان حاكم الاقليم قد حول الحرب في خطاباته إلى حرب شعبية لن تنتهي وإلا وقد تم دفن الغزاة حسب ما ردد حينها. وبعد الهجوم اختفت قوات تيغراي في الجبال والوهاد وبدأت حربها ضد ثلاثة اعداء وعلى عدة محاور.

الطرف الارتري خاض الحرب بصمت ودون اعلان عن المشاركة. وحرب الجيش الارتري في تيغراي هي حرب وقائية، لأن الرئيس اسياس قال بأن الوياني كانوا يعدون لاستلام اديس ابابا وبعدها اسمرا؛ فإذا صح افتراضه فهو خاض حربا وقائية، وهذا النوع من الحرب الهجومية غالبا ما يتم فيما وراء الحدود بهدف تدمير قوة عسكرية تشكل تهديدا وشيكا للأمن القومي للدولة المهاجمة وينتهي عادة بتدمير القوة المستهدفة وتأمين وجود قوات لعدم عودة هذه القوات لتشكيل خطر مجددا. وعودة جبهة تيغراي للسيطرة على اقليمها يجعل الطرف الارتري طرفا خاسرا، تماما مثل الطرف الاثيوبي الذي لم يستطع تحقيق أي من أهدافه المعلن عنها.

سوف تسفر هذه الحرب عاجلا أو آجلا عن استقلال تام لإقليم تيغراي من اثيوبيا، حتى لو لم يرد المجتمع الدولي ذلك، بما في ذلك الولايات المتحدة التي تحاول جاهدة المحافظة على اثيوبيا موحدة ولكنها سوف تضطر للإذعان لمطلب استقلال تيغراي، للأسباب التالية: أولا من الصعب، بعد الآن ، على شعب تيغراي أن يكون اقليما في دولة ناصبته العداء وحاولت ابادته، بل واستعدت عليه طرف أجنبي. ثانيا لن تتمكن الحكومة المركزية من فرض سيطرتها على الاقليم مجددا، ثالثا، لن يقبل حكام الاقليم الجدد، بأي سيطرة على الشئون الخارجية والاقتصادية لهم من قبل المركز في نفس الوقت الذي لن يكونوا فيه جنودا في الجيش الفيدرالي الذي رفع السلاح عليهم. إذن لن يقبلوا بالسيطرة الاقتصادية أو الدبلوماسية أو الأمنية، وفي نفس الوقت لن تنجح وسائل القضاء عليهم قضاء مبرما. قد تلجأ الولايات المتحدة لأول مرة في تاريخها للإشراف على عملية “تفكيك دولة ما” بالوسائل السلمية فيما يمكن تسميته “بالتفكيك السلمي” أو الافتراق الإيجابي، ولن يعدم الامريكيون المغرمون بالتسميات بابتداع مسمى جديد لما ستكون عليه العملية في مقبل الايام، مثل ما اخترعوا مصطلح الفوضى الخلاقة.

كون اقليم تيغراي حبيسا فإن ذلك لن يمنع استقلاله، لأن خطر الانحباس أقل تأثيرا مقارنة بمشكلة الإبادة أو البقاء في قفص اثيوبيا. ومشكلة الانحباس يمكن حلها بعدة طرق منها الحصول على حكومة موالية في اسمرا، وهو ما سوف يتم العمل بشكل جدي. نشوء دولة تيغراي المستقلة سيكون خصما مباشرا من ارصدة ارتريا الأمنية والوجودية. قد لا يفكر مخططي تيغراي في معاقبة ارتريا حاليا ولكن لن يشطبوا البند من الأجندة مستقبلا.

وسيراهنون على القوات والأفراد الارتريين الذين قاتلوا إلى جانبهم كما صرحوا وسيتم تسليح الموثوقين منهم ضد الحكومة الارترية على الأقل في الخطوة الأولى. وسوف يتدخل المجتمع الدولي “لتلطيف” شوفينية المقاومة الارترية المسلحة ضد الحكومة والتي سوف تنطلق وبقوة من تيغراي، وتجهيزها لتكون حكومة بديلة مطعمة بعناصر مقبولة من الجميع. وبما أن اثيوبيا لن تستطيع فرض سيطرتها على مطار مقلي فإن المطار سيكون الجهة التي يمكن أن تستقبل كل أنواع الاسلحة المطلوبة إضافة لفتح ممر غرب البلاد لمرور السلاح. قد يرى البعض بأن الوياني “زغب الحواصل لا ماء ولا شجر” ولكن الأيام خير برهان وأجلى امتحان.

COMMENTS

WORDPRESS: 0